النووي

313

تهذيب الأسماء واللغات

أثناء الشرح في مواطنها ، وعلى الجملة فلا نظير لكتابه في هذه الدقائق وصنعة الإسناد ، وهذا عندنا من المحقّقات التي لا شك فيها للدلائل المتظاهرة عليها . ومع هذا ف « صحيح البخاري » أصح وأكثر فوائد ، هذا هو مذهب جمهور العلماء ، وهو الصحيح المختار ، لكن كتاب مسلم في دقائق الأسانيد ونحوها أجود كما ذكرنا ، وينبغي لكل راغب في علم الحديث أن يعتني به ، ويتفطن في تلك الدقائق ، فيرى فيها العجائب من المحاسن ، وإن ضعف عن الاستقلال باستخراجها استعان بالشرح المذكور ، وباللّه التوفيق . وقد ذكرت في مقدمة شرح « صحيح مسلم » جملا من المهمات المتعلقة به التي لا بد للراغب فيه من معرفتها ، مع بيان جملة من أحوال مسلم وأحوال رواة الكتاب عنه . واعلم أن مسلما رحمه اللّه أحد أعلام أئمة هذا الشأن وكبار المبرّزين فيه ، وأهل الحفظ والإتقان ، والرحالين في طلبه إلى أئمة الأقطار والبلدان ، والمعترف له بالتقدم فيه بلا خلاف عند أهل الحذق والعرفان ، والمرجوع إلى كتابه والمعتمد عليه في كل الأزمان . سمع بخراسان يحيى بن يحيى وإسحاق ابن راهويه وآخرين ، وبالري محمد بن مهران وأبا غسان وآخرين ، وبالعراق ابن حنبل وعبد اللّه بن مسلمة وآخرين ، وبالحجاز سعيد بن منصور وأبا مصعب وآخرين ، وبمصر عمرو بن سواد وحرملة بن يحيى وآخرين ، وخلائق كثيرين . روى عنه جماعة من كبار أئمة عصره وحفاظه كما قدمناه ، وفيهم جماعات في درجته ، منهم أبو حاتم الرازي ، وموسى بن هارون ، وأحمد بن سلمة ، والتّرمذي ، وغيرهم . وصنف مسلم رحمه اللّه في علم الحديث كتبا كثيرة ، منها هذا الكتاب « الصحيح » الذي منّ اللّه الكريم - وله الحمد والنعمة والفضل والمنة - به على المسلمين ، أبقى لمسلم به ذكرا جميلا ، وثناء حسنا إلى يوم الدين ، مع ما أعد له من الأجر الجزيل في دار القرار ، وعمّ نفعه المسلمين قاطبة . ومنها الكتاب « المسند الكبير » على أسماء الرجال ، وكتاب « الجامع الكبير » على الأبواب ، وكتاب « العلل » ، وكتاب « أوهام المحدثين » ، وكتاب « التمييز » ، وكتاب « من ليس له إلا راو واحد » ، وكتاب « طبقات التابعين » ، وكتاب « المخضرمين » ، وغير ذلك . قال الحاكم أبو عبد اللّه : حدثنا أبو الفضل محمد بن إبراهيم ، قال : سمعت أحمد بن سلمة يقول : رأيت أبا زرعة وأبا حاتم يقدمان مسلم بن الحجاج في معرفة الصحيح على مشايخ عصرهما ، وفي رواية : في معرفة الحديث . ومن حقق نظره في « صحيح مسلم » رحمه اللّه ، واطلع على ما أودعه في إسناده وترتيبه ، وحسن سياقه وبديع طريقه ، من نفائس التحقيق وجواهر التدقيق ، وأنواع الورع والاحتياط والتحري في الروايات ، وتلخيص الطرق واختصارها ، وضبط متفرقها وانتشارها ، وكثرة اطلاعه ، واتساع روايته ، وغير ذلك مما فيه من المحاسن والأعجوبات ، واللطائف الظاهرات والخفيات ، علم أنه إمام لا يلحقه من بعد عصره ، وقلّ من يساويه بل يدانيه من أهل دهره ، وذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء ، واللّه ذو الفضل العظيم . وقد اقتصرت من أخباره رضي اللّه عنه ، على هذا القدر ، فإن أحواله رضي اللّه عنه ومناقبه ومناقب